الراغب الأصفهاني
311
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وقال : كأنّه البرغوث لم يخطه * في صغر الجثمان والقرص ويوصف القصير بالمكر والخبث قيل : إن كسرى جلس للمظالم فتقدم إليه رجل قصير فأخذ يصبي أنا مظلوم وهو لا يلتفت إليه فقال : الموبذان أنصفة فقال : إن القصير لا يظلمه أحد . فقال الرجل : إن الذي ظلمني هو أقصر منّي فضحك وأشكاه . وقيل : إن سقراط قال لا تجوز شهادة الأحدب والقصير وإن تزكيا لخبثهما فقيل : ولم خبثا ؟ فقال : لقرب دماغيهما من فؤاديهما كان يوسف بن عمر عامل هشام على العراق قصيرا وكان إذا خاط الخياط له ثوبا فقال له : تحتاج إلى خرقة لأن تفصيل الأمير طويل يعطيه ما يريد وإذا قال يكفيك أو يفضل يضربه ويشتمه . المعتذر للقصر قال المهلّب لرجل : ما أصغرك وأقلك . فقال : إن كثر عقلي فما تضرني قلّتي . وإن طال زهدي . فما يعيبني قصري . ولما استحضر النعمان ضمرة بن ضمرة قال : إن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه فقال : كل الرجال ليسوا بجزر إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه إن نطلق نطق ببيان وإن قاتل قاتل بجنان « 1 » : وما عظم الرجال لهم بفخر * ولكن فخرهم كرم وخير الممدوح بالخفة والمعتذر للنحافة قال العجيل السلولي : فتى قد قد السيف لا متضائل * ولا رهل لبّاته ومباذله « 2 » قال الأشجعي : وإني على ما تزدري من نحافتي * تزيد موازيني على الرجل الضّخم قال آخر : بدن ناحل وعزم جسيم قال حاتم : تراني كأشلاء اللجام ولا ترى * أخا الحرب إلا ساهم الوجه أغبرا قال ابن نباتة : إن كان يؤتي فؤاد من نحافته * فإنّ قلبي لا يؤتى من الخور « 3 »
--> ( 1 ) الجنان : القلب . ( 2 ) قد السيف : قطعه - اللباب : جمع لبّة وهي موضع القلادة من الصدر - المباذل : جمع مبذلة وهي الثوب . ( 3 ) الخور : الضعف .